فصل: الكلام على قوله تعالى: {وقضى ربك ألا تعبدو إلا إياه}:

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: الحاوي في تفسير القرآن الكريم



.الكلام على قوله تعالى: {وقضى ربك ألا تعبدو إلا إياه}:

أصل القضاء الحتم وهو في القرآن على ثلاثة عشر وجها أحدها الفراغ {فإذا قضيت الصلاة} والثاني الفعل {فاقض ما أنت قاض} والثالث الإعلام {وقضينا إلى بني إسرائيل} والرابع الموت {ليقض علينا ربك} والخامس وجوب العذاب {وقضي الأمر} والسادس التمام {من قبل أن يقضى إليك وحيه} والسابع الفصل {وقضى بينهم بالحق} والثامن الخلق {فقضاهن سبع سماوات} والتاسع الحتم {وكان أمرًا مقضيا} والعاشر ذبح الموت {إذا قضي الأمر} والحادي عشر إغلاق أبواب جهنم {وقال الشيطان لما قضي الأمر} والثاني عشر الحكم {حرجا مما قضيت} والثالث عشر الأمر {وقضى ربك ألا تعبدو إلا إياه} قوله تعالى: {وبالوالدين إحسانا} وهو البر والإكرام {إما يبلغن} قال الفراء جعلت يبلغن فعلا لأحدهما وكرر عليه {كلاهما} وقرأ حمزة والكسائي {يبلغان} على التثنية لأنهما قد ذكرا قبل ذلك ثم قال: {أحدهما أو كلاهما} على الاستئناف كقوله: {فعموا وصموا} ثم استأنف فقال: {كثير منهم} {فلا تقل لهما أف} أي لا تقل لهما كلامًا تتبرم فيه بهما إذا كبرا قال أبو منصور اللغوي أصل أف نفخك الشيء يسقط عليك من تراب أو نحوه وللمكان تريد إماطة الأذى عنه فقيلت لكل مستقل قوله تعالى: {ولا تنهرهما} أي لا تكلمهما ضجرًا صائحًا في وجوههما قال عطاء بن أبي رباح لا تنفض يدك عليهما قال العلماء إنما نهى عن الأذى لهما في حالة الكبر وإن كان منهيًا عنه في كل حال لأن حال الكبر يظهر فيها منهما ما يضجر ويؤذي وتكثر خدمتهما {وقل لهما قولًا كريما} أي لينا لطيفا أحسن ما تجد وقال سعيد بن المسيب قول العبد المتذلل للسيد الفظ {واخفض لهما جناح الذل} أي ألن لهما جانبك متذللًا لهما من رحمتك إياهما وخفض الجناح عبارة عن السكون وترك التصعب والإيذاء {وقل رب ارحمهما كما ربياني صغيرًا} أي مثل رحمتهما إياي في صغري حين ربياني أخبرنا هبة الله بن محمد أنبأنا الحسن بن علي أنبأنا أبو بكر بن مالك أنبأنا عبد الله بن أحمد حدثني أبي حدثنا وكيع حدثنا مسعر وسفيان عن حبيب بن أبي ثابت عن أبي العباس المكي عن عبد الله بن عمر قال جاء رجل يستأذن النبي صلى الله عليه وسلم في الجهاد فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم أحي والدك قال نعم قال ففيهما فجاهد أخرجاه في الصحيحين وبالإسناد حدثنا وكيع قال حدثنا سفيان عن سهيل بن أبي صالح عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يجزي ولد والده إلا أن يجده مملوكًا فيشتريه فيعتقه أخبرنا علي بن عبد الله بن أحمد بن الحسن وعبد الرحمن بن محمد قالوا حدثنا عبد الصمد بن المأمون أنبأنا علي بن عمر السكري حدثنا محمد بن علي بن حرب حدثنا سليمان بن عمر حدثنا عيسى بن يونس ح وأنبأنا علي بن عبد الله ومحمد ابن عبد الباقي أنبأنا أبو محمد الصريفيني أنبأنا أبو حفص الكناني أنبأنا أبو عبد الله ابن مخلد حدثنا يونس بن يعقوب حدثنا علي بن عاصم ح وأنبأنا محمد بن عبد الباقي أنبأنا أبو إسحاق البرمكي حدثنا أبو محمد بن ماسي أنبأنا أبو مسلم الكجي حدثنا محمد بن عبد الله الأنصاري عن بهز بن حكيم بن معونة بن حيدة القشيري عن أبيه عن جده قال قلت يا رسول الله من أبر قال أمك قلت ثم من قال أمك قلت ثم من قال أمك ثم أباك ثم الأقرب فالأقرب أخبرنا عمر بن ظفر أنبأنا أبو غالب الباقلاوي أخبرنا القاضي أبو العلاء الواسطي أنبأنا أبو نصر النيازكي أنبأنا أبو الخير الكرماني حدثنا البخاري حدثنا سعيد بن أبي مريم أنبأنا محمد بن أبي جعفر بن أبي كثير أخبرني زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه أتاه رجل فقال إني خطبت امرأة فأبت أن تنكحني وخطبها غيري فأحبت أن تنكحه فغرت عليها فقتلتها فهل من توبة قال أمك حية قال لا قال تب إلى الله عز وجل وتقرب إليه ما استطعت فسألت ابن عباس لم سألته عن حياة أمه قال إني لا أعلم عملًا أقرب إلى الله عز وجل من بر الوالدة وكان أبو هريرة رضي الله عنه إذا أراد أن يخرج من بيته وقف على باب أمه فقال السلام عليك يا أماه ورحمة الله وبركاته فتقول وعليك السلام ورحمة الله وبركاته فيقول رحمك الله كما ربيتيني صغيرًا فتقول رحمك الله كما بررتني كبيرًا وإذا أراد أن يدخل صنع مثل ذلك وقالت عائشة رضي الله عنها كان رجلان من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أبر من كان في هذه الأمة بأمهما عثمان بن عفان وحارثة بن النعمان رضي الله عنهما أما عثمان فإنه قال ما قدرت أتأمل وجه أمي منذ أسلمت وأما حارثة فكان يطعمها بيده ولم يستفهمها كلامًا قط تأمره به حتى يسأل من عندها بعد أن يخرج ماذا قالت أمي وكان حجر بن عدي بن الأدبر يلتمس فراش أمه بيده فيتهم غلظ يده فينقلب عليه على ظهره فإذا أمن أن يكون عليه شيء أضجعها وكان ظبيان بن علي من أبر الناس بأمه فباتت ليلة وفي صدرها عليه شيء فقام على رجليه قائمًا يكره أن يوقظها ويكره أن يقعد حتى إذا ضعف جاء غلامان من غلمانه فما زال معتمدًا عليهما حتى استيقظت من قبل نفسها وكان محمد بن سيرين لا يكلم أمه بلسانه كلمة تخشعًا لها وكان محمد بن المنكدر يضع خده على الأرض ثم يقول لأمه ضعي قدمك عليه وقال ابن المنكدر بت أغمز رجل أمي وبات أخي عمر يصلي وما يسرني أن ليلتي بليلته وروينا عن ابن عون أن أمه نادته فأجابها فعلا صوته على صوتها فأعتق رقبتين وقال بشر الحافي الولد يقرب من أمه بحيث يسمع أمه أفضل من الذي يضرب بسيفه في سبيل الله والنظر إليها أفضل من كل شيء وفي الصحيحين من حديث أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه ذكر في الكبائر عقوق الوالدين وفيهما من حديث جبير بن مطعم عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال لا يدخل الجنة قاطع قال سفيان قاطع رحم وفي حديث عبد الله بن عمرو عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال لا يدخل الجنة عاق وقال محمد بن محيريز من مشى بين يدي أبيه فقد عقه إلا أن يمشي فيميط الأذى عن طريقه ومن دعا أباه باسمه أبو بكنيته فقد عقه إلا أن يقول يا أبت.
وفي حديث أبي أسيد أن رجلًا قال يا رسول الله هل بقي من بر أبوي شيء بعد موتهما قال نعم خصال أربع الدعاء والإستغفار لهما وإيفاء عهدهما وإكرام صديقهما وصلة الرحم التي لا رحم لك إلا من قبلهما وروى ابن عمر رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم قال أبر البر صلة المرء أهل ود أبيه بعد أن توفي أخبرنا ابن الحصين أنبأنا ابن المذهب أنبأنا أبو بكر بن مالك أنبأنا عبد الله ابن أحمد حدثني أبي حدثنا يحيى بن غيلان حدثنا رشدين عن زيان عن سهل ابن معاذ بن أنس الجهني عن أبيه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال إن الله تعالى عبادا لا يكلمهم يوم القيامة ولا يزكيهم ولا ينظر إليهم قيل له من أولئك يا رسول الله قال متبرئ من والديه راغب عنهما ومتبرئ من ولده ورجل أنعم عليه قوم فكفر نعمتهم وتبرأ منهم وفي الصحيحين من حديث عبد الله بن عمر رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال إن من أكبر الكبائر أن يلعن الرجل والديه قيل يا رسول الله وكيف يلعن الرجل والديه قال يسب الرجل أبا الرجل فيسب أباه ويسب أمه فيسب أمه.

.سجع على قوله تعالى: {وقل رب ارحمهما كما ربياني صغيرًا}:

الويل كل الويل لعاق والديه والخزي كل الخزي لمن ماتا غضابا عليه أف له هل جزاء المحسن إلا الإحسان إليه أتبع الآن تفريطك في حقهما أنينًا وزفيرًا {وقل رب ارحمهما كما ربياني صغيرًا}.
كم آثرك بالشهوات على النفس ولو غبت ساعة صارا في حبس حياتهما عندك بقايا شمس لقد راعياك طويلًا فارعهما قصيرًا {وقل رب ارحمهما كما ربياني صغيرًا} كم ليلة سهرا معك إلى الفجر يداريانك مداراة العاشق في الهجر فإن مرضت أجريا دمعًا لم يجر تالله لم يرضيا لتربيتك غير الكف والحجر سريرًا {وقل رب ارحمهما كما ربياني صغيرًا} يعالجان أنجاسك ويحبان بقاءك ولو لقيت منهما أذى شكوت شقاءك ما تشتاق لهما إذا غابا ويشتقاقان لقاءك كم جرعاك حلوا وجرعتهما مريرًا {وقل رب ارحمهما كما ربياني صغيرًا} أتحسن الإساءة في مقابلة الإحسان أو ما تأنف الإنسانية للإنسان كيف تعارض حسن فضلهما بقبح العصيان ثم ترفع عليهما صوتًا جهيرًا {وقل رب ارحمهما كما ربياني صغيرًا} تحب أولادك طبعًا فأحبب والديك شرعًا وارع أصلًا أثمر لك فرعًا واذكر لطفهما بك وطيب المرعى أولًا وأخيرًا {وقل رب ارحمهما كما ربياني صغيرًا} تصدق عنهما إن كانا ميتين وصل لهما واقض عنهما الدين واستغفر لهما واستدم هاتين الكلمتين وما تكلف إلا أمرًا يسيرًا {وقل رب ارحمهما كما ربياني صغيرًا}.

.المجلس الثالث عشر في قصة أيوب عليه السلام:

الحمد لله الذي ابتعث بلطفه السحاب فروى الأودية والهضاب وأنبت الحدائق وأخرج الأعناب وألبس الأرض نباتًا أحسن من ثياب العناب يبتلي ليدعى وإذا دعي أجاب قضى على آدم بالذنب ثم قضى أن تاب ورفع إدريس بلطفه إلى أكرم جناب وأرسل الطوفان وكانت السفينة من العجاب ونجى الخليل من نار شديدة الإلتهاب وكان سلامة يوسف عبرة لأولي الألباب وشدد البلاء على أيوب ففارقه الأهل والأصحاب وعضه البلاء إلى أن كل الظفر والناب فنادى مستغيثًا بالمولى فجاء الجواب {اركض برجلك هذا مغتسل بارد وشراب} أحمده حمد من أخلص وأناب وأصلي على رسوله أفضل نبي نزل عليه أفضل كتاب وعلى صاحبه أبي بكر مقدم الأصحاب وعلى الفاروق عمر بن الخطاب وعلى عثمان شهيد الدار وقتيل المحراب وعلى علي المهيب وما سل سيفًا بعد من قراب وعلى عمه العباس المقدم نسبه على الأنساب قال الله عز وجل: {واذكر عبدنا أيوب إذ نادى ربه أني مسني الشيطان بنضب وعذاب} أيوب اسم أعجمي وهو أيوب بن أموص بن رزاح بن العيص ابن إسحاق بن إبراهيم وأبوه ممن آمن بالخليل يوم أحرق وأمه بنت لوط النبي عليه السلام وكان أيوب في زمن يعقوب عليه السلام فتزوج ابنة يعقوب وكان غزير المال كثير الضيافة وكان إبليس لا يحجب يومئذ من السموات فسمع تجاوب الملائكة بالصلاة على أيوب فحسده فقال يا رب لو صدمت أيوب بالبلاء لكفر فسلطني عليه فقالت قد سلطتك على ماله وولده فجمع إبليس جنوده فأرسل بعضهم إلى دوابه وبعضهم إلى زرعه وبعضهم إلى أولاده وكان له ثلاثة عشر ولدًا وقال إبليس لأصحابه تابعوه المصائب بعضها إثر بعض فجاء صاحب الزرع فقال يا أيوب ألم تر إلى ربك أرسل إلى زرعك نارًا فأحرقته وقال راعي الإبل ألم تر إلى ربك أرسل غددا فذهبت الإبل وقال كذلك صاحب البقر والغنم فقال الحمد لله الذي رزقني وقبله مني وتفرد إبليس لبنيه فجمع أركان البيت فهدمه عليهم وجاء فقال يا أيوب إن البيت وقع على بنيك فلو رأيت كيف اختلطت دماؤهم ولحومهم بطعامهم وشرابهم فقال لو كان فيك خير لقبضك معهم فانصرف خائبًا فقال يا رب سلطني على جسده فسلط فنفخ تحت قدميه نفخة فقرح بدنه قال مجاهد أول من أصابه الجدري أيوب وقال وهب كان يخرج عليه مثل ثدايا النساء ثم يتفقأ قال العلماء لم يبق منه إلا اللسان للذكر والقلب للمعرفة وكان يرى معاه وعروقه وعظامه ووقعت به حكة لا يملكها فحك بأظفاره فسقطت ثم بالمسوح ثم بالحجارة وأنتن جسمه وتقطع وأخرجه أهل القرية فجعلوا له عريشًا على كناسة ورفضه الخلق سوى زوجته رحمة بنت أفرايم بن يوسف ابن يعقوب فكانت تختلف إليه بما يصلحه وفي مدة لبثه في البلاء أربعة أقوال أحدها ثماني عشرة سنة رواه أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم والثاني سبع سنين قاله ابن عباس وكعب والثالث سبع سنين وأشهر قاله الحسن والرابع ثلاث سنين قاله وهب وفي سبب سؤاله العافية ستة أقوال أحدها أنه اشتهى أدمًا فلم تصبه امرأته حتى باعت قرنا من شعرها فلما علم ذلك قال مسني الضر رواه الضحاك عن ابن عباس والثاني أن الله تعالى أنساه الدعاء مع كثرة ذكره الله تعالى فلما انتهى زمان البلاء ألهمه الله تعالى الدعاء رواه العوفي عن ابن عباس والثالث أن نفرًا من بني إسرائيل مروا به فقال بعضهم ما أصابه هذا إلا بذنب عظيم فعندها دعا قاله نوف البكالي وقال عبد الله بن عبيد بن عمر كان له أخوان فأتياه يومًا فوجدا ريحًا فقالا لو كان الله علم منه خيرا ما بلغ به هذا فما سمع شيئًا أشد عليه من ذلك فقال اللهم إن كنت تعلم أني لم أبت ليلة شبعان وأنا أعلم مكان جائع فصدقني فصدق وهما يسمعان ثم قال اللهم إن كنت تعلم أني لم ألبس قميصًا وأنا أعلم مكان عار فصدقني فصدق وهما يسمعان فخر ساجدًا ثم قال اللهم لا أرفع رأسي حتى تكشف ما بي فكشف ما به والرابع أن إبليس جاء إلى زوجته بسخلة فقال ليذبح أيوب هذه لي وقد برأ فجاءت فأخبرته فقال إن شفاني الله لأجلدنك مائة جلدة أمرتني أن أذبح لغير الله ثم طردها عنه فذهبت فلما رأى أنه لا طعام ولا شراب ولا صديق خر ساجدًا وقال مسني الضر قاله الحسن والخامس أن الله أوحى إليه في عنفوان شبابه إني مبتليك فقال يا رب وأين يكون قلبي قال عندي فصب عليه من البلاء حتى إذا بلغ البلاء منتهاه أوحى الله إني معافيك قال يا رب وأين يكون قلبي قال عندك قال مسني الضر قاله إبراهيم ابن شيبان والسادس أن الوحي انقطع عنه أربعين يومًا فخاف هجران ربه فقال مسني الضر ذكره الماوردي ومعنى {نادى ربه} دعا وإنما أضاف الأمر إلى الشيطان لأن الشيطان سلط عليه قوله تعالى: {بنصب} قرأ الحسن {بنصب} بفتح النون والصاد قال الفراء هما كالرشد والرشد وقال أبو عبيدة النصب بتسكين الصاد الشر وبتحريكها الإعياء والمراد بالعذاب الأليم قوله تعالى: {اركض برجلك} قال المفسرون جاءه جبريل فأخذه بيده فقال قم فقام فقال اركض برجلك فركض فنبعث عين فقال اغتسل فاغتسل ثم نحاه قال اركض برجلك فركض فنبعث عين فقال اشرب فشرب قال: {هذا مغتسل} قال ابن قتيبة المغتسل الماء وهو المغسول أيضًا ثم ألبسه جبريل حلة من الجنة وجاءت امرأته فقالت يا عبد الله أين المبتلى الذي كان هاهنا لعل الذئاب ذهبت به فقال ويحك أنا أيوب فقالت اتق الله ولا تسخر بي قال ابن مسعود رد الله عليه أهله بأعيانهم وآتاه مثلهم معهم في الدنيا قال ابن عباس كانت قد ولدت له سبع بنين وسبع بنات فنشروا له وولدت له تسعة بنين وسبع بنات وقال مجاهد آتاه الله أجور أهله في الآخرة وآتاه مثلهم في الدنيا قوله تعالى: {وخذ بيدك ضغثًا} كان قد حلف ليجلدن زوجته مائة جلدة وفي سبب هذه اليمين ثلاثة أقوال أحدها حديث السخلة الذي سبق والثاني أن إبليس جلس في طريق زوجته كأنه طبيب فقالت له عبد الله هاهنا رجل مبتلى فهل لك أن تداويه قال نعم إني شافيه على أن يقول لي إذا برأ أنت شفيتني جاءت فأخبرته فقال ذاك الشيطان لله علي إن شفاني الله أن أجلدك مائة قاله ابن عباس والثالث أن إبليس لقيها فقال أنا الذي فعلت بزوجك وأنا إله الأرض وما أخذته منه فهو بيدي فانطلقي فأريك فمشى غير بعيد ثم سحر بصرها فأراها واديًا عميقًا فيه أهلها ومالها وولدها فأتت أيوب عليه السلام فأخبرته فقال ذاك الشيطان ويحك كيف وعى سمعك قوله والله لئن شفاني الله لأجلدنك مائة جلدة قاله وهب وأما الضغث فقال ابن قتيبة هو الحزمة من الخلال والعيدان قال المفسرون جزى الله زوجته بحسن صبرها أن أفتاه في ضربها فسهل الأمر فجمع لها مائة عود وقيل مائة سنبلة وقيل كانت أسلا وقيل كانت شماريخ فضربها ضربة واحدة وهل ذلك خاص له أم عام فيه مذهبان أحدهما أنه عام قاله ابن عباس وعطاء والثاني خاص له قاله مجاهد وقد اختلف الفقهاء فيمن حلف أن يضرب عبده عشرة أسواط فجمعها وضربه بها ضربة واحدة فقال مالك والليث بن سعد لا يبر وهو قول أصحابنا وقال أبو حنيفة والشافعي إذا أصابه في الضربة الواحدة كل واحد منها فقد بر واحتجوا بعموم قصة أيوب قوله تعالى: {إنا وجدناه صابرًا} قال مجاهد يجاء بالمريض يوم القيامة فيقال ما منعك أن تعبدني فيقول يا رب ابتليتني فيجاء بأيوب في ضره فيقول أنت كنت أشد ضرًا أم هذا فيقول بل هذا فيقول هذا لم يمنعه ذلك أن عبدني ما ضر أيوب ما جرى كأنه سنة كرى ثم شاعت مدائحه بين الورى وإنما يصير من فهم العواقب ودرى.